أبي منصور الماتريدي
35
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
النار ، سماها سخطا . والأخرى : الجنة ، سماها رحمة . وإنما حملهم على هذا أنهم لا يصفون الله بالرحمة في الأزل « 1 » ، فعلى قولهم يكون قول رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « إلا أن يتغمدني الله برحمته » « 2 » ، أي : يثيبني الجنة . ولكن سميت الجنة رحمة عندنا لما برحمته يدخلون الجنة ، لا بأعمالهم ؛ لما روينا عن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم حيث قال : « لا يدخل أحد الجنة بعمله » قيل : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : « ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته » « 3 » .
--> ( 1 ) الأزل : بفتح الألف والزاي المعجمة دوام الوجود في الماضي ، كما أن الأبد دوامه في المستقبل ، وفي شرح الطوالع في بيان حدوث الأجسام : هو ماهية تقتضي اللامسبوقية بالغير ، وهذا معنى ما قيل : الأزل نفي الأولية . وقيل : هو استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب الماضي ، انتهى . والأزلي ما لا يكون مسبوقا بالعدم . والموجود أقسام ثلاثة لا رابع لها ؛ فإنه إما أزلي أبدي وهو الله سبحانه وتعالى ، أو لا أزلي ولا أبدي وهو الدنيا ، أو أبدي غير أزلي وهو الآخرة ، وعكسه محال فإن ما ثبت قدمه امتنع عدمه . ينظر كشاف اصطلاحات الفنون ( 1 / 122 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 11 / 294 ) كتاب الرقاق ، ( 6463 ) ، ومسلم ( 4 / 2169 ) كتاب صفات المنافقين ( 71 / 2816 ) . وزاد في أ : فيصير تقديره : لا يدخل أحد الجنة إلا برحمته . ( 3 ) قال ابن بطال في الجمع بين هذا الحديث وقوله تعالى : تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ الأعراف : 43 ] ما محصله أن تحمل الآية على أن الجنة تنال المنازل فيها بالأعمال ، فإن درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال ، وأن يحمل الحديث على دخول الجنة والخلود فيها . ثم أورد على هذا الجواب قوله تعالى : سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ النحل : 32 ] فصرح بأن دخول الجنة أيضا بالأعمال ، وأجاب بأنه لفظ مجمل بينه الحديث ، والتقدير : ادخلوا منازل الجنة وقصورها بما كنتم تعملون ، وليس المراد بذلك أصل الدخول . ثم قال : ويجوز أن يكون الحديث مفسرا للآية ، والتقدير : ادخلوها بما كنتم تعملون مع رحمة الله لكم وتفضله عليكم ؛ لأن اقتسام منازل الجنة برحمته ، وكذا أصل دخول الجنة هو برحمته حيث ألهم العاملين ما نالوا به ذلك ، ولا يخلو شيء من مجازاته لعباده من رحمته وفضله ، وقد تفضل عليهم ابتداء بإيجادهم ثم برزقهم ثم بتعليمهم . وقال عياض : طريق الجمع أن الحديث فسر ما أجمل في الآية ، فذكر نحوا من كلام ابن بطال الأخير وأن من رحمة الله توفيقه للعمل وهدايته للطاعة وكل ذلك لم يستحقه العامل بعمله ، وإنما هو بفضل الله وبرحمته . وقال ابن الجوزي : يتحصل عن ذلك أربعة أجوبة ؛ الأول : أن التوفيق للعمل من رحمة الله ، ولولا رحمته السابقة ما حصل الإيمان ولا الطاعة التي يحصل بها النجاة . الثاني : أن منافع العبد لسيده فعمله مستحق لمولاه ، فمهما أنعم عليه من الجزاء فهو من فضله . الثالث : جاء في بعض الأحاديث أن نفس دخول الجنة برحمة الله ، واقتسام الدرجات بالأعمال . الرابع : أن أعمال الطاعات كانت في زمن يسير والثواب لا ينفد فالإنعام الذي لا ينفد في جزاء ما ينفد بالفضل لا بمقابلة الأعمال . وقال الكرماني : الباء في قوله : بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ الأعراف : 43 ] ليس للسببية بل للإلصاق أو المصاحبة ، أي أورثتموها ملابسة أو مصاحبة ، أو للمقابلة نحو أعطيت الشاة بالدرهم ، وبهذا -